حروب القصة القصيرة

 

 

 

 

 

 

وجدي الأهدل

 

 

 

 

كتابة القصة القصيرة تشبه السير في أرض مجهولة لم يكتشفها أحد قبلنا، وعلينا أن نقطعها وحدنا.. سوف نتلفت بحثاً عن الجهات الأربع فندرك أنها اندمجت في مسار واحد، مسار لا يحده الأفق ويكتنفه الضباب.

 

 

 التقدم صعب وعسير المنال، مع أن الطريق صالحة للسير تماماً. آلاف الأشياء الصغيرة تشدنا للخلف وتدعونا للعودة على أعقابنا.. هناك أيضاً الخوف من الفشل، ذلك الخوف الخفي الذي يسمر أقدامنا في مكانها، ويجعلها تبدو لنا أثقل من الرصاص. سوف يخامرنا ظل من الشك ونجد أنفسنا مترددين، والكثير من الأعزاء حولنا سوف ينصحوننا بالتخلي عن هذا الطريق الذي لا تلوح له معالم على الإطلاق.. وهو بالفعل طريق يكتنفه الغموض ولا نهائي.. أي إنسان عاقل سوف يغامر بالسفر في هذا الطريق المحفوف بالمخاطر؟ وهو يعرف أنها رحلة بلا ضفاف، ونهايتها غير معروفة لأحد! ورغم ذلك سوف نتابع طريقنا ولا نبال بالتحذيرات، ومع كل خطوة نخطوها سوف نشعر بأننا ننفصل عن عالمنا الواضح الذي نعرفه وتزداد غربتنا فيه، وتضطرب مشاعرنا لأن جوعنا لمتع الحياة وعطشنا لعاداتنا لا يزال يُعمي عيوننا..

 

 سوف تمر بنا حالات نفسية يصعب حصرها.. سنقف برهبة أمام الورقة البيضاء، ونشعر بأن الرحلة طويلة، طويلة أكثر بكثير جداً مما سيظن القارئ المستقبلي لهذه القصة القصيرة التي ربما لن تأخذ من وقته أكثر من خمس أو عشر دقائق.. نحن سنرى الرحلة ممتدة في الزمن وستلتهم عمرنا كله إن لم نحسم قرارانا ونمضي في حمل القلم.. إنها البداية التي يشيب منها شعر المؤلف، لأنه يدنو من الأرض المحرمة، المغلقة بالطلاسم، والمحمية بالجن والغيلان وعدد هائل من الوحوش المخيفة.. علينا أن نمتلك الشجاعة للعبور.. وقوة إرادة جبارة للتغلب على هذه العقبات، وعلى القلم أن يصير سيفاً خارقاً بيدنا، بل إن عليه أن يصير كسيف (آصف بن برخيا) الذي استخدمه البطل الأسطوري (سيف بن ذي يزن) لإبطال مفعول الطلاسم التي كانت تعيقه عن الوصول إلى أهدافه، وأن يكون قوياً بما يكفي لقتل كل وحش يعترض طريقه.

 

 

أي شخص يقترب منا سيرى بين أيدينا مجرد أوراق بيضاء عادية لا تثير ذعر دجاجة، بل إن طفلاً صغيراً لو أعطيت له لمزقها إرباً.. ولكن لا أحد غيرنا يعلم أننا نجابه وحوشاً ضارية، وأننا نرتعد من داخلنا خوفاً وفزعاً من هذه الأوراق البيضاء المحايدة. من ذا الذي يُقدّر معاناتنا النفسية، أو يتصور ما نحن فيه من حال مروعة ونحن ننظر حيارى قلقين إلى بياض الأوراق، ونكاد نتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعنا ولا نتعرض لتلك التجربة.. سوف نشعر بالجبن ونفكر بالتراجع وأن لا نعرض أنفسنا للتهلكة..

 

 

 سوف يأتي من داخلنا صوت يدعونا للكف عن المحاولة، وأن نوفر على أنفسنا عناء رحلة محفوفة بالمخاطر كهذه.. ألا يكفي ما نعيشه في الحياة اليومية من مخاطر لنضيف إليها المزيد ونحن وحدنا!! هذا الصوت المُخذّل الذي ينبع من كهف خفي في داخلنا هو أسوأ أعداء الكاتب، إنه "الطابور الخامس" الذي يعمل على إضعافنا في اللحظات الحاسمة وشل قدراتنا على الإبداع.. لو استمعنا إليه سنولي الأدبار ونهزم هزيمة بشعة، تهز ثقتنا في نفوسنا، وتقضي على كل أحلامنا وأسمى رغباتنا.. لكننا إذا عرفناه على حقيقته، وسخرنا من جبنه وهلعه، فإننا سنمسك به ونكتفه، ونطعمه للوحوش التي تترصدنا في طريقنا الوعرة..

 

 

 

 سوف يتحول من ثقل سلبي إلى أداة لإلهاء الضواري ريثما نمر من بينها.. سوف نصل بعد أن نوغل في الكتابة إلى التنين حارس الكنوز، ونخوض معه صراعاً مميتاً، سوف ينفث ناراً لإحراق جلد أناملنا، وسيتلون بألف لون ويتشكل بألف شكل لنتجمد من الرعب ونتوقف عن التفكير.. لكن بضع ضربات بسن القلم، ستجعل الدماء تسيل منه، ومع توالي الضربات سيلفظ أنفاسه ويخر صريعاً، وسيحترق جثمانه بنارنا الداخلية التي انقدحت شرارتها أخيراً.. وفجأة سوف ينقشع الضباب، ونرى عالماً مليئاً بالسحر والعجائب، ونكتشف بحواسنا الباطنية روائح لم نشمها من قبل قط، ونبصر ألواناً لا تتسع لها العيون، ونسمع أصواتاً كان صداها يتردد في أرواحنا منذ ملايين السنين، وببشرتنا المتخيلة سوف نلمس شخصيات لم نكن نعلم أنها تسكن بداخلنا.

 

 

وبعد أن ننتهي من كتابة "القصة القصيرة" سوف ندرك أننا قد حصلنا على "الكنز" الذي حاربت الوحوش الدميمة بكل قواها لتعيقنا عن الوصول إليه، واستمات التنين الجبار في الذود عنه.

سوف تغمرنا السعادة ونحن نتملّى "الكنز" الذي عدنا به من أرض الوحي والإبداع، وسوف نشعر بأننا قد ولدنا من جديد بعد قيامنا بتلك المغامرة التي لا تصدق لشدة أهوالها، وسوف نرغب بقوة في الحياة التي صار لها طعم زاخر وشهي.